محمود سالم محمد
430
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وفي مثل هذه الأحوال تكثر الدعوات للإصلاح والتخفيف عن الناس ، بطرق شتى ، منها الشعر الذي ينتشر بين الناس ، ويصل إلى الحكام ، والذي يظهر مواطن الخطأ في المجتمع ، ويشير إلى طرق تجاوزه باقتضاب ، وبإشارات مبطنه ، فيلهج به الناس ، ويرددونه ، ليدفعوا من بيده المقدرة على الإصلاح إلى فعل ذلك . وعرف الأدباء العرب آنذاك أثر الشعر في النفس الإنسانية ، فقال حازم القرطاجني عن الشعر : « من شأنه أن يحبّب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها ، ويكرّه إليها ما قصد تكريهه ، لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه ، بما يتضمّن من حسن تخييل له ، ومحاكاة مستقلة بنفسها ، أو متصوّرة بحسن هيئة تأليف الكلام ، أو قوة صدقه ، أو قوة شهرته ، أو بمجموع ذلك » « 1 » . ولذلك شبّه الأدباء آنذاك أثر الشعر بأثر السحر ، وأطلقوا على بعض الشعر ( السحر الحلال ) « الذي يلعب بالعقول ، ويدع الإعجاب بحسنه يقوم ويقول » « 2 » . « ولأنه يخيّل للإنسان ما لم يكن ، للطافته ، ولأنه قادر على التأثير والإقناع في الحال ونقيضه من غير مسوّغ واضح » « 3 » . وإلى جانب الشعر نجد الوعظ والخطب على المنابر ، والرسائل والكتب التي تحدد المشاكل وتضع لها الحلول ، وقد وصلنا من هذا العصر عدد من الرسائل والكتب في هذا الباب ، والتي عزا بعض مؤلفيها قيامهم بتأليفها إلى توجيهات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لهم في المنام ، فصاحب كتاب ( التيسير والاعتبار ) قال عن سبب تأليفه لكتابه : « ولمّا رأى العبد الأصغر الفقير في المنام سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والسلام ، وقد قلّده أمرا ، يفهم من تأويله النصيحة للإسلام والمسلمين . . فأقام العبد منتظرا ما رآه في المنام من وعد
--> ( 1 ) حازم القرطاجني : منهاج البلغاء ص 71 . ( 2 ) الصفدي : الغيث المسجم 1 / 289 . ( 3 ) ابن الأثير : المثل السائر 1 / 206 .